محمود شيت خطاب

412

الرسول القائد

( ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلّف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . ( أما صاحباي ، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ؛ وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد ؛ وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه ، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني . . . ( حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين ، مشيت حتى تسوّرت « 1 » جدار أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ ، فسلّمت عليه فو اللّه ما ردّ عليّ السلام ! . . . ( فقلت : يا أبا قتادة ! أنشدك اللّه هل تعلمني أحب اللّه ورسوله ؟ فسكت ! . . فعدت له فنشدته ، فسكت . . . فعدت له فنشدته فقال : اللّه ورسوله أعلم . . . ففاضت عيناي وتولّيت حتى تسوّرت الجدار . . . ثم غدوت إلى السوق . . . ( فبينا أنا أمشي بسوق المدينة ، وإذا نبطيّ من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه في المدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى إذا جاءني ، دفع إليّ كتابا من ملك غسان وكتب كتابا في سرقة « 2 » من حرير ، فإذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فقلت لما قرأتها : وهذا

--> ( 1 ) - تسوّرت : علوت . وفي كتاب اللّه : ( إذ تسوّروا المحراب ) . ( 2 ) - سرقة : شقة من الحرير ، ويقال : السرق ، أحسن الحرير وأجوده .